الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
293
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وحرفا ( على ) الأوّل والثاني ، في قوله : ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ للاستعلاء المجازي ، وهو التمكّن من معنى مجرورها ويتبيّن الوصف المبهم في الصلة بما ورد بعد ( حتّى ) من قوله : عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ ، فيعلم أنّ ما هم عليه هو عدم التمييز بين الخبيث والطيّب . ومعنى ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ نفي هذا عن أن يكون مرادا للّه نفيا مؤكّدا بلام الجحود ، وقد تقدّم نظيره في قوله تعالى : ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ [ آل عمران : 79 ] إلخ . . . فقوله : عَلى ما أَنْتُمْ عَلَيْهِ أي من اختلاط المؤمن الخالص والمنافق ، فالضمير في قوله : أَنْتُمْ عَلَيْهِ مخاطب به المسلمون كلّهم باعتبار من فيهم من المنافقين . والمراد بالمؤمنين المؤمنون الخلّص من النفاق ، ولذلك عبّر عنهم بالمؤمنين ، وغيّر الأسلوب لأجل ذلك ، فلم يقل : ليذركم على ما أنتم عليه تنبيها على أنّ المراد بضمير الخطاب أكثر من المراد بلفظ المؤمنين ، ولذلك لم يقل على ما هم عليه . وقوله : حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ غاية للجحود المستفاد من قوله : ما كانَ اللَّهُ لِيَذَرَ المفيد أنّ هذا الوذر لا تتعلّق به إرادة اللّه بعد وقت الإخبار ولا واقعا منه تعالى إلى أن يحصل تمييز الخبيث من الطيّب ، فإذا حصل تمييز الخبيث من الطيّب صار هذا الوذر ممكنا ، فقد تتعلّق الإرادة بحصوله وبعدم حصوله ، ومعناه رجوع إلى حال الاختيار بعد الإعلام بحالة الاستحالة . ولحتّى استعمال خاصّ بعد نفي الجحود ، فمعناها تنهية الاستحالة : ذلك أنّ الجحود أخصّ من النفي لأنّ أصل وضع الصيغة الدلالة على أنّ ما بعد لام الجحود مناف لحقيقة اسم كان المنفية ، فيكون حصوله كالمستحيل ، فإذا غيّاه المتكلّم بغاية كانت تلك الغاية غاية للاستحالة المستفادة من الجحود ، وليست غاية للنفي حتّى يكون مفهومها أنّه بعد حصول الغاية يثبت ما كان منفيا ، وهذا كلّه لمح لأصل وضع صيغة الجحود من الدلالة على مبالغة النفي لا لغلبة استعمالها في معنى مطلق النفي ، وقد أهمل التنبيه على إشكال الغاية هنا صاحب « الكشاف » ومتابعوه ، وتنبّه لها أبو حيّان ، فاستشكلها حتّى اضطرّ إلى تأوّل النفي بالإثبات ، فجعل التقدير : إنّ اللّه يخلّص بينكم بالامتحان ، حتّى يميز . وأخذ هذا التأويل من كلام ابن عطية ، ولا حاجة إليه على أنّه يمكن أن يتأوّل تأويلا أحسن ، وهو أن يجعل مفهوم الغاية معطّلا لوجود قرينة على عدم إرادة المفهوم ، ولكن فيما ذكرته وضوح وتوقيف على استعمال عربيّ رشيق .